اللغة والهوية الثقافية !!
إن تعزيز الهوية الثقافية والمحافظة عليها وتعميق جذورها لا تتنافى مع الانفتاح على الآخر والحوار معه والأخذ من إيجابياته. كما أن نقد الذات نقداً إيجابياً من أهم العوامل التي تساعد على إثراء الثقافة وتوسيع مداخلها ومخارجها.
اليوم أصبحت الأمة العربية في أمس الحاجة إلى تبني استراتيجية للعمل الجاد من أجل تحصين الهوية العربية ودعم مقوماتها ومرتكزاتها وذلك لترسيخ الانتماء إليها في قلوب الناشئة والشباب وتعميق مفهومها في عقولهم. إن العروبة ليست مفهوماً عرقياً أو عنصرياً بل هي هوية ثقافية موحدة تلعب اللغة العربية دور الحاضن والمعبر عنها والحافظ لتراثها. كما أنها تمثل إطاراً حضارياً مشتركاً مرتكزاً على القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية ويعمق جذوره التنوع والتعدد والانفتاح على الثقافات الإنسانية الأخرى دون الذوبان فيها ناهيك عن مواكبة التطورات العلمية والتقنية المتسارعة والرقي بأدائها إلى مستوى المنافسة وعدم الاستكانة والذوبان وفقدان التميز.
اليوم الهوية العربية تمتهن عالمياً و اقليمياً ومحلياً، عالمياً من خلال التشنيع والصاق تهم التخلف والإرهاب والفساد وعدم المصداقية والرعونة وغيرها من الصفات. لهذا وجدت الصهيونية العالمية في ضعف الهوية العربية وضعف الانتماء إليها وعدم وجود قوى مؤثرة تدافع عنها وتحمي ذمارها بغيتها ومبتغاها فحرضت الإعلام والمتطرفين ودفعت لهم الأموال من أجل إيجاد معول هدم يقلل من قيمة هذه الأمة ومن أجل تحقير المنتمين إليها ومحاربة كل من لا يستكين لاجندتهم حتى أنهم جندوا عملاء لهم ممن ينتمون إلى هذه الأمة اسماً ويعملون ضدها فعلاً من خلال تقديم الثانويات على الأولويات ومن خلال التشكيك في التاريخ والتراث وقدرة شباب الأمة على الارتقاء إلى مستوى شباب الشعوب الأخرى.
أما على المستوى الاقليمي فقد أصبحت دول غير عربية مثل تركيا وإيران وغيرهما هي المنافحة ولو ظاهرياً عن الحقوق العربية وأصبحت أكثر حرصاً من العرب على تبني المواقف القوية ضد إسرائيل وهذا بحد ذاته وإن كان مضمونه الظاهري جيداً إلا أنه في مضامينه الأبعد دليل على إفلاس القيادات العربية التي رضيت بتسليم العلم إلى الغير والقبول بدور المتفرج مما يؤدي إلى الشعور بالاحباط والإهانة ناهيك عن سباق التسلح المحموم من قبل بعض الدول المجاورة مثل إيران وإسرائيل التي تعربد في المنطقة دون رادع وفي غياب حراك جماعي لحفظ التوازن على جميع الجبهات، أما على المستوى المحلي للشعوب العربية فإن الفقر والبطالة والجهل والحروب الداخلية والإرهاب وتفشي ظاهرة تهريب المخدرات والإدمان بالإضافة إلى ترعرع الجريمة المنظمة أصبحت تشكل معاول هدم تنخر في جسم هذه الأمة التي أصبحت خلافاتها أكثر من توافقها على الرغم من أنها من أكثر الشعوب تجانساً وتمازجاً على المستوى الثقافي واللغوي والعقدي، لولا وجود قوى تشجع على الفرقة من خلال زرع بذور الشقاق ودق أسفين الانتماء الاقليمي ورفع شعار التقسيم الطائفي وإحياء العصبية القبلية واستخدام الإعلام الفضائي كوسيلة لبث تلك الأفكار من خلال إعداد برامج ذات أهداف مدسوسة ونشرات أخبار ذات تحليلات مغرضة ناهيك عن تحميل بعض الأحداث أكثر ما تحتمل، إن الوطنية والانتماء والهوية والثقافة يعتبر كل منها وليد الآخر ويعززها التحمس العقلاني ويشد من أزرها التعليم المتفوق والإعلام النزيه بالإضافة إلى دور مثقفي وحكماء وعلماء الأمة، كما لا يمكن أن ينسى دور الأسرة ومنظومات المجتمع المدني المختلفة، ناهيك عن دور صاحب القرار في جعل الوطنية والانتماء من أهم مقومات الهوية الوطنية ذات الجذور العربية والإسلامية.
نعم لا يمكن أن نتخيل مجتمعاً بدون هوية ثقافية تميزه، وذلك لأن الثقافة هي المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعرف، بالإضافة إلى أي عادات يكتسبها الإنسان كعضو فاعل في المجتمع، إن تعزيز الهوية الثقافية والمحافظة عليها وتعميق جذورها لا تتنافى مع الانفتاح على الآخر والحوار معه والأخذ من إيجابياته. كما أن نقد الذات نقداً إيجابياً من أهم العوامل التي تساعد على إثراء الثقافة وتوسيع مداخلها ومخارجها. لذلك فإن التنمية الثقافية عبارة عن بذل جهد مستنير يعد له باتقان من أجل إحداث تغيير ثقافي إيجابي مثل زرع أسلوب جديد في التفكير والسلوك والقدرة على نقد الذات والتمييز بين الغث والسمين. لهذا فإن التمسك بالهوية الثقافية لا يعتبر انغلاقاً بقدر ما يعتبر تحفيزاً على المنافسة الشريفة والمحافظة على الذات ومنع تميعها وتفتتها واندثارها.
إن اللغة العربية هي الوعاء الحاوي للهوية الثقافية، لذلك فإن المحافظة عليها وصيانتها وحمايتها من معاول الهدم التي تفتك في جنباتها من خلال تقليل أهميتها في التعليم والتساهل في استخدامها في الإعلام وعدم حمايتها من الدخيل عليها من اللغات الأخرى وعدم القدرة على الاشتقاق وعدم مواكبتها للتطورات التقنية بسبب عجز أهلها وليس بسبب عجزها وذلك مصداقاً لقول الشاعر:
أرى كل يوم في الجرائد مزلقاً
من الموت يدنيني بغير أناة
سرت لوثة الانفرنج فيها كما
سرى لعاب الأفاعي في مسيل فرات
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة
مشكلة الألوان مختلفات
إن اللغات الحية ترفع من قيمة أهلها وتعزهم، ولذلك يقبل الآخرون على تعلمها، أما اللغة العربية فيعيش في جنباتها ملايين البشر ولسنوات عديدة دون أن يتعلموها بينما من يعيش في إحدى الدول الناطقة بالانجليزية يجيدها خلال أقل من عام والسبب ان رب العمل يطلب إجادة اللغة الإنجليزية للحصول على عمل أو قبول للدراسة ناهيك عن ان جميع معاملاتهم تتم بلغتهم وكذلك لوحاتهم الإرشادية أما في العالم العربي فإن شرط إجادة اللغة الإنجليزية وليس العربية هو المعمول به ناهيك عن ان الجميع يتحدث مع الوافدين بلهجة مكسرة لا يمكن ان تسمى لغة لذلك فإن أرباب العمل ينحرون اللغة العربية التي كان من المفترض ان تكون شرطاً لكل من يريد ان يمارس العمل في الدول العربية وذلك من أجل نشرها وتعزيز جانبها ليس هذا فحسب بل ان فرض شرط كهذا سوف يدفع بملايين البشر من العمالة الأجنبية للتسجيل في المعاهد المتخصصة بتدريس اللغة العربية وبذلك سوف يتم تدوير جزء لا بأس به مما تحصل عليه هذه العمالة من أموال داخل الوطن وينعكس ذلك على توظيف عشرات الآلاف من المتخصصين في اللغة العربية وآدابها الذين يتمنون فرصة عمل متاحة يقول حافظ إبراهيم:
ارى لرجال الغرب عزاً ومنعة
وكم عز اقوام بعز لغات
اتوا أهلهم بالمعجزات تفنناً
فياليتكم تأتون بالكلمات
ان الانقياد خلف عملية تمييع اللغة العربية جزء لا يتجزأ من عملية هدم الهوية الثقافية التي تتم بصورة لا تخلو من مد وجزر متعمد فالمد يتم بخطوتين والجزر يتم بخطوة واحدة ويدخل ضمن ذلك التعمد والمصادفة والتقليد وإكال الأمر إلى غير أهله أو إلى من يستهجن العربية لعدم قدرته على مجاراتها أو نكاية بها وأهلها وبذلك يقول الشاعر:
ايطربكم من جانب الغرب ناعب
ينادي بوأدي في ربيع حياتي
ان تدهور لغة أية أمة هو السبب الرئيسي في تخلفها وعدم مواكبتها لقطار المعرفة المنطلق بسرعة فائقة، لذلك فإن عناصر الصراع بين التحديث والانغلاق تشكل أساس قدرة الشعوب على التطور أو الانهزام والتقوقع وبالطبع الاعتدال والتوازن همااللذان يحفظان للأمة حقها فلا ضرر ولا ضرار.
ان الاعتزاز بموروث الأمة جزء لا يتجزأ من المحافظة على هويتها لذلك فإن العبث باللغة العربية واستهجانها أو العبث بالتراث والتاريخ والثقافة العربية لا يمكن ان يسمى شفافية كما ان التطاول على الرموز التاريخية لا يمكن ان يسمى نقد ذاتياً فالأمم والشعوب التي لا ماضي لها مثل أمريكا تصنع لها هوية وثقافة ذاتية وتقيم رموز قدوة تدعو نشأها للاقتداء بهم، ودولة مثل إسرائيل رجعت إلى التاريخ السحيق وعملت على احياء اللهجة العبرية وكونت منها لغة وسرقت كثيراً من مقومات الثقافة العربية الفلسطينية ادعتها ثم يأتي من بين أبناء العرب من يستهجن ماضيهم ويقلل من حاضرهم تحت طائلة الشفافية التي تخدم أجندة خارجية فالكل تعلم ان لهذه الأمة امجاداً والكل يفخر بماضي امته حتى طلع علينا من يسب ويشتم تلك الرموز والمسلمات لمجرد التقليد الأعمى. إن التشكيك والعبث بالثقافة واللغة والانتماء معاول هدم يجب ان توقف وان تكون الشفافية مقصورة على من يجيدها ويجيد النظر إلى ابعادها وانعكاساتها فالشفافية الملتزمة شيء والفضيحة تحت مسمى الشفافية شيء آخر:
ايهجرني قومي عفا الله عنهم
الى لغة لم تتصل برواتي
انا البحر في احشائه الدر كامن
فهل ساءلوا الغواصة عن صدفاتي
د. حمد بن عبدالله اللحيدان
في جريدة الرياض اليوم
الجمعة 27 رجب 1431 هـ – 9 يوليو 2010م – العدد 15355
لتصفح المواضيع الأخرى الشبيهة:
- غرس القيم الايجابية في الأبناء في الإجازة الصيفية
- ثمرات المطابع 2
- الإنكسار الداخلي
- القيم الإسلامية في مواجهة القيم البرجماتية
- المجتهد لن يندم .. لن يندم .. لن يندم .. وإن أخفق !!!!




عبّر عن رأيك