02/01/2010 – 7:37 م | عدد التعليقات 20

إعلان
تعلن وحدة البحوث في كلية الشريعة عن إقامتها محاضرة بعنوان :
(منهجية البحث في القضايا الثقافية)
و التي يشارك فيها كل من :
د. عبدالله بن عبدالعزيز الزايدي (متحدثا)
د.عبدالله بن حمد العويسي (متحدثا)
د.ناصر بن إبراهيم آل تويم (مديرا)

و …

أكمل قراءة بقية الموضوع »
للمقبلين على قسم الثقافة الإسلامية

البرامج

الصوتيات والمرئيات

الكتب

منوّع

الرئيسية » المقالات

القيم الإسلامية في مواجهة القيم البرجماتية

 

                                       ”"” بسم الله الرحمن الرحيم “”

هناك سؤال محوري يطرح نفسه دائما : ما هو الهدف الذي يسعى وراءه الإنسان .. هل هو البحث عن الحقيقة ؟ أم البحث عن السعادة ؟ أم البحث عن اللذة ؟ في الوعي الإسلامي لم يكن هناك أي انفصام بين مفهوم السعادة ومفهوم الحقيقة أما بالنسبة للغرب الذي يريد أن يعولم أطروحاته الراسخة في روحه الحضارية على جميع الشعوب التي وقعت تحت سيطرته فإن مفهوم السعادة قد آل إلى مفهوم اللذة . وحتى هذا المفهوم الأخير جردوه من أي معنى آخر غير المعنى المادي .-، وبذلك آل الهدف الذي يسعى إليه الإنسان في المفهوم الغربي إلي مجرد البحث عن اللذة المادية لا غير . والحقيقة أن هذه المفاهيم قديمة قدم الحضارة الغربية نفسها ولما جاءت الفلسفة البرجماتية أدت دورها الخطير في تطوير وتنسيق و تسويغ هذه المفاهيم القديمة . لقد كان الفيلسوف اليوناني القديم أبيقور يرى أن “غاية الأخلاق هي السعادة الذاتية فليست الفضيلة فضيلة إلا لأنها تجلب اللذة ، وليست الرذيلة رذيلة إلا لأنها تحدث ألما ولا قيمة لأي عمل نفسه إلا بنسبته إلى اللذائذ والآلام ” . وكان يحدد مهمة الأخلاق بتعليم بني البشر كيفية الحصول على اللذة واجتناب الألم كل بحسب تحديده على ذلك حيث كان أبيقور ينصح بتنظيم الرغبات بحسب القدرات . ثم جاء الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس في نهاية القرن التاسع عشر فكان أكثر عبثاً ودهاءً ، فدعا مريديه إلى كل ما ينفعهم ويمتعهم دون مبالاة لمواقف الآخرين من هذه المنفعة أو المتعة . ولكنه عرض هذه المفاهيم في ثوب أمريكي زاه وأنيق من التبرير والجدل الفلسفي والدعوة إلى الإقبال على الحياة والمستقبل السعيد للإنسان . بينما نحن المتعطشون إلى الحقيقة لا نهنأ بسعادة مهما توافرت أسبابها المادية قبل أن ندرك الحقيقة التي نسعى إليها في شوق ولهفة ، فإذا أدركناها وظفرنا بها كانت هي سعادتنا وراحتنا وأساس وجودنا في هذا العالم. إنها الحقيقة التي من أجلها حاور إبراهيم عليه السلام نفسه وقومه، الشمس والقمر والكواكب والنجوم والدنيا جميعاً ولم يهنأ براحته – بالرغم من توافر المتع حوله – إلا بعد أن هداه الله إليها فكانت راحته وسعادته. ويعتزل رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم العالم ليتعبد في غار حراء ويتفكر في ملكوت الله حتى إذا ما أنعم الله عليه بالرسالة واجه طواغيت الأرض جميعا ، وجاهد ثائرا وصابرا ثلاثة وعشرين عاماً حتى بلغ رسالة ربه وقدم للناس الحقيقة والسعادة معاً . وسلمان الفارسي الذي ظل سائحاً في الأرض يبتغي الحقيقة فلما أدركها ظل عمره يجاهد في سبيل الله من أجل أن يعم الخير على الدنيا جميعاً . فلم يحدث أبداً في الوعي الإسلامي ذلك الانفصام بين الحقيقة والسعادة، فالهدف الذي يسعى وراءه الانسان في الإسلام هو الحقيقة السعادة، والسعادة الحقيقة. فنحن نبحث عن السعادة في سعينا من أجل إدراك الحقيقة فإذا تمت سعادتنا بإدراك هذه الحقيقة الحبيبة استطعنا أن ندرك ماهية السعادة الحقيقية التي ينبعي للانسان أن يحياها. لقد جاء الإسلام ليعلم الإنسان ما هي سعادته في دنياه، وما هي سعادته في أخراه ، وما هو الوهم الذي يحياه الناس وهم يعتقدون أنه سعادتهم المنشودة . إن مفهوم السعادة في الإسلام يتسع لتلبية الإنسان لحاجته وغرائزه الطبيعية في غير مبالغة ولا صرف يؤذيه ويعتدي على سعادة غيره من البشر ويتسع أيضاً لتآلف الإنسان مع الناس والمجتمع وانسجامه مع الكون كله ويبلغ مداه في تحقيق طاعته وبلوغ رضاه . وأني للغربي أو البرجماتي الذي لا يفهم السعادة إلا بمعناها النفعي المادي الضيق أني له أن يفهم هذا الكلام حيث لا يرى ” السعادة اللذة ” إلا في قضاء وطر يراه مع امرأة يشتهيها أو ملء جوفه من طعام يحبه أو تحقيق حد أعلى من الأرباح أو إرضاء رغبة أنانية في التميز أو التحكم والسيطرة أو غير ذلك من اللذات الأخري . فالحقيقي لدى الفلسفة البرجماتية هو كل ما يأتي عن تجربة بمصلحة عملية . والبرجماتية لا تعترف بالحقائق إلا في حدود النتائج العملية المترتبة عليها ومدى ارتباطها بالمصالح والمنافع المنشودة للقائم على هذه التجربة . فالحقيقي على حد قول وليم جيمس: “ليس سوى النافع المطلوب في سبيل تفكيرنا تماماً، كما أن الصواب ليس سوى النافع المطلوب في سبيل مسلكنا”. لقد جعلت المفاهيم البرجماتية من المنافع والملذات المعايير القيمية للمجتمع التي تقاس عليها باقي القيم الأخرى. أي أن الشيئ الذي ينظر إليه بازدراء شديد من وجهة نظر الإسلام غدا هو القاعدة الأساسية للقيم ذاتها لدى البرجماته ، ولذلك فإن المسلم الحقيقي والانسان البرجماتي يسيران في خطين متعاكسين تماماً حيث لا يمكن أن يلتقيا أبداً . المال والبرستيج من المنظور البرجماتي يتم تقدير الإنسان وتتشكل قيمته الاجتماعية بحسب ثروته وقدراته المادية، بل وهيئته ومظهره أيضاً في المجتمعات المتخلفة التي تقع تحت سطوة هذه المفاهيم . ولعل ذلك ما يفسر لنا ذلك التهافت الغبي وراء المظاهر والشكليات عند الكثيرين من الذين يملكون المال في مجتمعاتنا . إنها لمصيبة كبرى أن تكون قيمة الانسان فيما يملك ثم يؤول هذا الأمر إلى أن تكون قيمته فيما يرتديه أو فيما يبدده من أموال ! . فأين هذه المفاهيم الساذجة المتدنية التي يريدون أن يجعلوا منها الأساس القيمي للإنسان من المفاهيم الإسلامية السامية التي يتم تقييم الإنسان على أساسها . يقول تعالى: “زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عندة حسن المآب”. ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم : ” من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ” . لقد قرر الإسلام بكل حسم – منذ أربعة عشر قرناً – أن المعيار الوحيد للتفاضل بين الناس هو التقوى . يقول تعالى: ” إن أكرمكم عند الله أتقاكم ” . ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم: ” خير الناس أنفعهم للناس ” ويقول أيضاً: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”. ويقول: “إن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم أخلاقاً. ولأن قيم الإسلام تقف موقف التحدي والصراع مع قيم الشر التي يستند إليها طواغيت العالم فإن التمسك بها يتركز في الأساس على مدى قوة الإيمان الراسخة في نفس المؤمن ، فالقوة هي الأساس في حسم أي صراع بين البشر . ولكن ما هو مفهوم القوة لدى الغرب وما هو مفهوم القوة لدى الإسلام ؟ . لقد كان “نيتشه” يعبر بحق عن مفهوم القوة لدى الغرب عندما كان يصرخ :” إن الأخلاق ليست إلا اختراع الضعفاء لكي يقيدوا بها سلطان الأقوياء ؟ فلنكن حرباً على الأخلاق … ولنخطط في نظرتنا إلى الأشياء ذلك الخير وذلك الشر … يجب أن يكون لنا من الجسارة ما نحيا به حياة حرة سافرة وفي وضح النهار . وإذا ما اقتضى ذلك أن نسير فوق طريق من الجماجم فعلينا أن نسحقها بأقدامنا دون ان يتحرك ضميرنا بملام . يجب أن تكون لنا قلوب قاسية. يجب أن نرسل صرخة الحرب دون وجل أو ندم في وجه مصطلحات العالم ومصطلحات أخلاق القطيع. يجب أن نرسلها من النشوة بخمرة النصر وحمُى الكبرياء .. وعلى هذه المبادئ لن تكون القوانين الأخلاقية إلا مبتدعات جديرة بالازدراء هي وأصحابها الذين وضعوها … ولن تكون المعاهدات الدوليه أكثر من ” قصاصات أوراق ” : إن الإرادة الوحيدة الصحيحة إنما هي إرادة القوة ” وإن الحق الحقيقي إنما هو الذي يعلو ولا يعلى عليه . إن القوة هي كل شيئ وهي وحدها التي تقرر الحق ” . ولكن نيتشه لم يستطع أن يقدم المبررات التي تبيح له حرية السير فوق الجماجم كما كان يريد ، وهذا ما برع جيمس في تقديمه ، فحيث إن المنافع والمصالح هي المعيار الوحيد للحقائق ، وحيث أنه من المستحيل أن يكون هناك معيار محدد لتلك المنافع والمصالح ذاتها ( بحسب ما تقتضيه فلسفته ) غير التقدير الذاتي لللأشخاص . إذن فقد آل الأمر إلى أن السعى من أجل تحقيق المصالح الشخصية هو الحق الوحيد في هذا العالم . ولا يكون بذلك أي معنى للإتهام بأشياء كالأنانية والقسوة لم تستند على أي أسس منطقية تسيغ لها وجودها أو تعُرف لها معناها .. بمعنى آخر لقد صار يجب تحقييقه ولا يصبح أي معنى لأن تتهم أو تصف عملية تحقيق الحق بالأنانية والقسوة، وهكذا استطاع جيمس أن يقدم المبررات الفلسفية للأنانية والقسوة والسير فوق الجماجم. إنها حقا الفلسفة التي تتفق مع الواقع الأمريكي الذي انبعثت منه والتي يمكن أن يقدمها لنا فلاسفة الكاوبوي ” رعاة البقر”. والأجدى من الجدل الفلسفي حول صحة ما أقول أن ننظر إلى الواقع العملي لهذه الأفكار وهو ما يعبر عنه البعض بمحاكمة جيمس بالمنطق البرجماتي نفسه. انظروا إلى الصراع الذي لا يهدأ في المجتمع الأمريكي والذي لا يقوم إلا على تحقيق المصالح الشخصية بكل أنانية وقسوة ودون اعتبار لأي أمر آخر . وقد عبر عن ذلك “سيد قطب” فيما كتبه عن انطباعات زيارته لأمريكا بقوله : ” إن الحيوية المادية عند الأمريكي مقدسة ، والضعف أياً كانت أسبابه جريمة .. جريمة لا يغفرها شيئ ولا يستحق صاحبها عطفاً ولا عوناً … وحكاية المبادئ والحقوق خرافة في ضمير الأمريكي لا يتذوق لها طعماً. كن قوياً ولك كل شيئ أو كن ضعيفاً فلا يسعفك مبدأ ولا يكون لك مكان في مجال الحياة الفسيح … وهذه البشرية تخطئ أشنع الخطأ وتعرض رصيدها من القيم الإنسانية للضياع إذا هي جعلت من المثل الأمريكية مثلها في الشعور والسلوك “. انظروا أيضاً إلى الحكومات الأمريكية وإلى الطرق التي تعامل بها شعبها وما تنطوي عليه من غش وخداع وتضليل ، أما الطريقة التي تعامل بها الحكومات الأخرى فلا تحتاج إلى شواهد. في الحقيقة لقد استطاع الشيطان بعولمة المفاهيم البرجماتية أن يزرع في قلوب الناس أسوأ شرور العالم وها نحن نحصد الحصاد المر. لقد تساقطت مساحات كبيرة من وعي الناس وانصهرت قيم كانت راسخة في ضمائرهم أو سطحت تماماً واستطاعت القيم البرجماتية الأمريكية أن تسطو على العقول والقلوب وتسيطر عليهما تماماً. إذا كانت القوة في المفهوم الغربي والنيتشوي البرجماتي ترتبط بمدى القدرة على تحقيق المنافع المادية الزائلة فإن القوة في الإسلام ترتبط بمدى قدرة الإنسان على الإستغناء عن كل ما هو زائل وفان من أجل ما هو خالد وباق ، وكما يقول الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه فإن ” الإنسان الذي يعيش في الحقيقة لا يتاجر بالأباطيل ” . ومن هذا المنطلق فإن المؤمن القوي يستصغر في قلبه جبابرة الخلق وطواغيت العالم وتتضاءل أمام عينيه كل إغراءات العالم حتى لا تكاد تكون شيئا . هذه هي القوة التي كان يرهب بها خالد ابن الوليد أعداء الإسلام ويزلزل الأرض تحت أقدامهم عندما كان يقول لهم : لقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة والخمر . ولكن ما هي الوسيلة إلى اكتساب هذه القوة ؟ . يجيب الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فيقول : ” من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ” . وكما جاء القرآن الكريم عن هذه العلاقة بين الناس والتوكل على الله في قوله تعالى : ” الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ” . وعندما كان يربي الرسول صلي الله عليه وسلم ابن عمه ” عبد الله ابن عباس ” على القوة كان يرسي في قلبه أوتاد الإيمان التي لا تهتز فيقول له : ” يا غلام ، إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده اتجاهك ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيئ لم ينفعوك إلا بشيئ قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيئ لم يضروك إلا بشيئ قد كتبه الله عليك .. رفعت الأقلام وجفت الصحف ” . يقول الشيخ محمد الغزالي : ” والحق أن فضيلة القوة ترتكز في نفس المؤمن على عقيدة التوحيد كغيرها من الفضائل التي تجعله يرفض الهوان في الأرض لأنه رفيع القدر بانتسابه إلى السماء ” . لقد حدث في أواخر عهد الدولة الأموية لما قويت الدولة العباسية وأحس الأمويون بالخطر على دولتهم حاولوا أن يسندوها بكبار العلماء ليجعلوا لها سنداً شعبياً فبعث عامل بني أمية ابن هبيرة بأمر الخليفة إلى أئمة فقهاء العراق، إلى أبي ليلى وابن شبرمة وداؤد بن هند فولى كل واحد منهم عملاً من أعمال الدولة . ثم بعث إلى أبي حنيفة وعرض عليه منصب صاحب الختم ، وهو من أعظم مناصب الدولة فلا يتم أمر في الدولة إلا بإذنه ولا يصرف مال إلا بأمره فرفض أبوحنيفة فحلف ابن هبيرة فأصر أبو حنيفة على الرفض فأقسم ابن هبيرة ليضربه إن لم يقبل فأصر على موقفه.. فأخذ الفقهاء يلحون عليه أن يقبل ويقولون له: إننا نناشدك الله في نفسك، إنا إخوانك وكلنا كاره لهذا الأمر ولم نجد به بدلاً من القبول. فقال لهم أبوحنيفة: لو أرادني أن أعد له أبواب المسجد لن أقبل.. فكيف وهو يريد مني أن أكون مسؤولاً عن سفك دماء الناس وانفاق أموالهم بالباطل، والله لا أدخل في ذلك أبداً. وتعرض أبوحنيفة للضرب والتعذيب ولكنه ظل مصراً على موقفه، وهو نفس الأمر الذي تكررمع الخليفة المنصور في عهد الدولة العباسية عندما لجأ إلى سلاح التهديد ليرغمه على تولي منصب قاضي القصاة، فقال له الأمام أبوحنيفة : لو هددتني أن تغرقني في الفرات أو إلى الحكم لاخترت أن أغرق. فأيهما الأقوى: الحاكم الظالم ؟ أم الإمام الذي تهون عليه التضحية بنفسه على أن يشاركه في ظلمه؟. وأيهما الأعز : هل الحاكم الذي يسفك الدماء ؟ أم الإمام الذي يسجن ويضرب ويهان لأنه لا يقبل حتى أن يُعدٌ له أبواب المسجد ؟ . لو عرضنا الأمر على أحد البرجماتيين ليحكم فيه لاعتبر الإمام أبا حنيفة مجرد حالة عقلية مرضية . فالقوة المنبعثة من الأنانية والتشبث بكل تفاهات الحياة البرجماتية.. تقابلها في الإسلام القوة المنبعثة من الإيثار والقدرة على التضحية بالحياة ذاتها. وفي موقعة اليرموك استشهد عكرمة بن أبي جهل وسهيل ابن عمرو والحارث ابن هشام وجماعة من بني المغيرة وأوتو بماء وهم صرعى فتدافعوه حتى ماتوا ولم يذوقوه . أتى عكرمة الماء فنظر إلى سهيل ابن عمرو ينظر إليه فقال : ابدأ بهذا . ونظر سهيل إلى الحارث ينظر إليه قال: ابدأ بهذا وكل منهم يؤثر الآخر على نفسه بالشربة فماتوا كلهم قبل أن يشربوا ، فمٌر خالد ابن الوليد فقال : بنفسي أنتم . وإذا كان من مظاهر القوة النيتشوية البرجماتية القسوة والظلم والكبر والتعالي والتكالب على الماديات فإن مظاهر الإسلام هي التواضع والحلم والعفو واللين والرحمة و العدل والقصد والعفاف والصبر على شدائد الدهر. فكما جاء في القرآن عن رب العزة ” إنه لا يحب المستكبرين ” ويقول جل وعلا: “ولاتمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا”. ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم : “يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صورة الذر يطؤهم الناس لهوانهم على الله”. وبكل حسم يبلغنا صلي الله عليه وسلم أنه ” لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”. ويعرف صلي الله عليه وسلم الكبر فيقول : ” الكبر بطر الحق وغمط الناس ” . ويقول صلي الله عليه وسلم : ” ليس القوي بالصرعة وإنما القوي هو من يملك نفسه عند الغضب ” . ودخل الخليفة عمر ابن عبد العزيز المسجد ليلة في الظلمة فمر برجل نائم فعثر به فرفع رأسه وقال : أمجنون أنت ؟ فقال عمر : لا ، فهمّ به الحرس فقال عمر : مه ، إنما سألني أمجنون؟ فقلت : لا . وجاء غلام لأبي ذر وقد كسر رجل شاة له فقال له : من كسر رجل هذه ؟ قال أنا فعلته عمداً لأغيظك فتضربني فتأثم . فقال : لأغيظن من حرضك على غيظي ، فأعتقه . يقول تعالى : “ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور”. ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم : ” إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف ” . وحدث بعد انتهاء معارك الردة وتولية عمر ابن الخطاب رضي الله عنه خلافة المسلمين أن أسلم أبو مريم قاتل زيد ابن الخطاب ورآه عمر في المدينة فقال له :إني لا أحبك . فقال أبو مريم : أتمنعني حقاً يا أمير المؤمنين . قال عمر : لا. قال أبو مريم: “لا ضير إنما يأسى على الحب النساء”. ووجد على ابن أبي طالب درعه عند رجل نصراني فجاء به إلى شريح القاضي ، فسأل شريح النصراني : ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين ؟ قال النصراني : ما الدرع إلا درعي ، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب . فالتفت شريح إلى علي يسأله : يا أمير المؤمنين هل من بينه ؟ فضحك علي وقال : أصاب شريح مالي بينه … فقضى شريح للنصراني بالدرع فأخذها ومشى ، إلا أنه لم يخط خطوات حتى عاد يقول : أما أنا فأشهد أن هذه أحكام أنبياء، أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي عليه … أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ، والدرع درعك يا أمير المؤمنين ، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين فأخرجتها من بعيرك الأورق . فقال علي : أما إذا أسلمت فهي لك . ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم: “إياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين” (كتاب الزهد : للإمام أحمد). وتتجلى قوة المسلم الحقيقية أشد التجلي في الصبر على شدائد الدهر، يقول تعالى على لسان لقمان الحكيم: “واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور” . ويٌسأل الرسول صلي الله عليه وسلم : ” أي الناس أشد بلاء ” قيقول : ” الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الناس على قدر دينهم ، فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه ، وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ” . فإذا كانت قوة البرجماتي في تحقيقه أكبر قدر من رغبات النفس مهما كانت تفاهتها فإن قوة المسلم في قدرته على التحكم في رغبات نفسه مهما كان ثقل إلحاحها عليه وقدرته على تلبيتها . وإذا كانت قوى البرجماتي في القدرة على تحقيق المنافع المادية الزائلة فإن قوة المسلم في تحرير قلبه منها والترفع عليها . و إذا كانت قوة البرجماتي في الأنانية ، فإن قوة المسلم في الإيثار. وإذا كانت قوة البرجماتي في القسوة ، فإن قوة المسلم في الرحمة . وإذا كانت قوة البرجماتي في الظلم ، فإن قوة المسلم في العدل . وإذا كانت قوة البرجماتي في الكبر والتعالي على الخلق ، فإن قوة المسلم في التواضع لهم . وإذا كانت قوة البرجماتي في هيئته ومظهره ” البرستيج” فإن قوة المسلم في عمله وسلوكه. وإذا كانت قوى البرجماتي في القدرة على مسايرة الأمر الواقع واستغلاله، فإن قوة المسلم في القدرة على الصبر عليه. الحكمة والعلم والنجاح وهكذا يتدرج بنا الكلام إلى مناقشة مشكلة المشاكل وهي مشكلة ما حدث من خلط بين المفاهيم في فكر الناس . فالأشخاص الذين تتمثل فيهم تلك الصفات الإسلامية التي ذكرناها ينظر إليهم من وجهة نظر البرجماتيين على أنهم بعض المجانين أو في أحسن الأحوال يعتبرونهم حالات عقلية مريضة أما لو نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر الإسلام فإن هؤلاء البرجماتيين هم الذين سيعتبرون حالات ضالة ومريضة يرجو الأسلام هداها . أي أن المشكلة تكمن في ذلك الخلط الذي حدث في المعايير القيمية الإجتماعية التي يتحدد على أساسها ما هو حقيقي وما هو زائف ؟ وما هو يتسم بالمعقولية وما هو يفقدها ؟ وما هو من الممكن أن يعد نجاحا يوجب التبجيل وما هو من الممكن أن يعد فشلا يوجب التحقير وكل ذلك تحت الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي الذي يمارسه الأمريكيون لعولمة مفاهيمهم البرجماتية التي تغلغلت في الكثير من المجتمعات والتي كان لمجتمعاتنا السبق في تغلغل تلك المفاهيم إليها بسبب قدم الهيمنة الأمريكية فيها قبل سقوط الاتحاد السوفيتي والدخول في عصر القطب الواحد والقيم الواحدة . والنتيجة أنه قد صار حكماء العصر الآن هم الحكماء البرجماتيون النفعيون . إنهم يتمتعون بعدة مصداقيات تكسبهم ثقة الجماهير ، إنهم أكثر الناس تطبيقاً لما يقولون . إن أفكارهم أكثر الأفكار قدرة على مسايرة الأمر الواقع .. ألم يحققوا ثروات ضخمة هي بذاتها شهادات كافية للغاية على مصداقية أفكارهم ؟! . إن حكمتهم إذن هي أكثر الحِكَم قدرة على تحقيق الرغبات التي صنعها الإعلام الأمريكي وأوهم الناس أنها الحاجات الحقيقية لكينونتهم الإنسانية . وبعد أن تضاءلت قيمة العلم بمعناه المتعارف عليه ( أي الاقتراب من الحقيقة ) فقد صار للعلم أيضاً معني برجماتي وهو القدرة على اكتشاف أكثر الوسائل تحقيقاً للمنافع والمصالح المادية ، بمعنى أنه قد تحول إلى مجرد أداة لا قيمة لها إلا فيما يمكن أن تنتجه من أرباح . أما مفهوم النجاح ” وهو مفهوم ذا أثر خطير على الواقع الاجتماعي وذلك لما يرتبط به من تحديد لمفاهيم وقيم أخرى ” فقد ثار لا يتعلق إلا بالآثار والنتائج ثم انحصرت هذه الآثار والنتائج في الآثار والقيم المادية إن لم تكن النقدية فقط لاغير . فإذا كان هناك جدال قائم عن مدى نجاح شخص ما فإن أول سؤال سيطرح هو : ماذا صنع ؟ اوما حقق من نتائج لكي نصفه بالنجاح وعندما يمضي الحوار لخطوات أكثر فإن السؤال المطروح يكون أكثر صراحة وهو ماذا حقق هذا الشخص من النقود والثروة لكي نصفه بالنجاح دون اعتبار لأي أمر آخر ؟!!! . والخلاصة أن البرجماتيين قد حصروا الحقائق في دائرة المنافع والمصالح المادية ، وتحت ضغط الحاجة والحرمان من جهة وابتعاث الرغبات والإغراء بتحقيقها من جهة أخرى استطاعوا أن يشحذوا طاقات الناس نحو شيئ واحد هو محاولة تحقيق هذه المنافع والمصالح بأية طريقة كانت ومن هنا كانت كل هذه المفاهيم . ولكي نسقط هذه المفاهيم لابد أن نقرر وبكل حسم أن الإسلام هو حكمنا الوحيد في تحديد ماهية المعايير القيمية الاجتماعية . فالحقيقي ليس إلا ما يعتبره أنه حقيقي . والنافع ليس إلا ما يعتبره الإسلام إنه نافع . وبوجه عام فإن الإسلام لا يعطي أية أهمية أو احترام للمصالح والمنافع المادية إلا في حدود القدر الذي يلبي الحاجات الحقيقية للإنسان ، أي ما يسمى في العرف الاجتماعي ” بالستر” ، ويرى أن ما يزيد عن ذلك من حطام الدنيا فهو أقل قدراً من أن يتفانى الناس عليه ، أما إذا ضحى الإنسان بالقواعد الشرعية من أجل تحقيق هذه الأشياء فإنه يكون قد سقط بذلك في مصيدة الشيطان التي قد تؤدي به إلى الكفر لعبادته هذه الأشياء . هذه هي حكمة الإسلام التي لا محيد عنها وهذا هو علمه الذي تستمد منه النفوس صلاحها ، أما مفهوم النجاح في الإسلام فإنه لا يتعلق بنتيجة من التنائج وإنما يتعلق بالنية والإرادة والفعل . فالناجح من وجهة نظر الإسلام هو كل من يحاول طاعة أوامر الله وتحقيق الغايات التي تقتضيها عبوديته سواء استطاع أن يحقق ذلك بسلوكه أو حتى اتجهت إليه إرادته وتدخلت عوامل أخرى لمنعة من ذلك . فالذي يطيع الله في الأرض ويقيم عبوديته فيها ” بالمعنى الواسع للعبودية كما نفهمه ” هو الناجح في المنظور الإسلامي . هذه هي قيم الإسلام.. وهذه هي صبغته “ومن أحسن من الله صبغة”. ولكن هناك أسساً موضوعية للعمل على انتصار هذه القيم الإسلامية على القيم البرجماتية الغازية وأهم هذه الأسس هو توفر الحد الأدني من الحاجات الضرورية للإنسان في المفهوم الإسلامي، وأعترف هذه أزمة الأزمات في واقعنا المعاصر لا من حيث عدم توفر هذه الحاجات فقط، ولكن من حيث غياب تولي القيام بهذه القضية لدى أغلب القائمين بالعمل الإسلامي أنفسهم.

 بقلم : محمد إبراهيم مبروك // المصدر وكالة الاخبار الاسلاميه

لتصفح المواضيع الأخرى الشبيهة:


Share and Enjoy:
  • Print
  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google Bookmarks

عدد التعليقات المطروحة في الموضوع 3 »

  • عبير العاتي [ محرر الموضوع ] كتب:

    “”اقتباس “”فالناجح من وجهة نظر الإسلام هو كل من يحاول طاعة أوامر الله وتحقيق الغايات التي تقتضيها عبوديته سواء استطاع أن يحقق ذلك بسلوكه أو حتى اتجهت إليه إرادته وتدخلت عوامل أخرى لمنعة من ذلك . فالذي يطيع الله في الأرض ويقيم عبوديته فيها ” بالمعنى الواسع للعبودية كما نفهمه ” هو الناجح في المنظور الإسلامي . هذه هي قيم الإسلام..
    نقلت هذا المقال لانه قد جعل أثر في نفسي ..
    نعم ان الانسان لوتدبر في هذه الحياة يجد انه لن يدرك السعاده الا في رضى الله والاستعانة به..
    وقد سمعت من إحدى المعلمات في الدار التي التحقت بها ” تقول ” والله لن نجد السعادة والراحه الا عند دخول اول قدم لنا في الجنه … وقد صدقت :)

    Quote
  • الروض المربع كتب:

    أكثر من رائع ..
    شكرا لكاتب المقال ..
    وشكر الله لك ياعبير ما تقومين به من جهد ..

    Quote
  • عبير العاتي [ محرر الموضوع ] كتب:

    وفقتي عزيزتي الروض المربع …
    أشكر لكِ تعليقك :)

    Quote

عبّر عن رأيك

:D :-) :( :o 8O :? 8) :lol: :x :P :oops: :cry: :evil: :twisted: :roll: :wink: :!: :?: :idea: :arrow: :| :mrgreen:

|[ معلومات التدوينة  ]|

عنوآن التدوينـة: القيم الإسلامية في مواجهة القيم البرجماتية

كاتب التدوينــة: عبير العاتي

مصنف فـــــــي : المقالات

تاريخ النشـــر : الأربعاء, 3 مارس 2010

عدد المشاهدات : 433 مشاهدة

عدد التعليقات : 3 تعليق

طباعة التدوينة : طباعة هذا الموضوع طباعة هذا الموضوع